Posts

كأنني لم أكن… وكأنك كنت

ربما لم يكن خطأك… بل انعكاسك، طفلٌ يلهو بظلّه على حافة الهاوية، لا يدرك أن الظلّ أعمق منه. تجربة عابرة لملء فجوة لا قاع لها، أو محاولة لنبش حبٍ قديمٍ باهت من قبره بأظافرك، تبحث عنه في وجهي كأن وجهي تابوتٌ لم يُغلق بعد… لكنك لن تجده. أعدك. لن يلتقطه بصرك في عيوني، تلك التي اتسعت أكثر مما ينبغي، حتى صارت تحمل ما لم يُخلق ليُقال. ما ضاع منك لم يمرّ بي، وما أضعته ليس عندي… أقسم، بما تبقّى مني بقسم. كل ما أردته كان بسيطًا حدّ القسوة, أن يبدأ قلبي بك، مع أول شرخٍ للضوء، وأن يبقى لك، حتى بعد أن أرحل منه. لا أعرف كيف أقدّم أنصاف الأشياء، جسدي لا يفهم القسمة، وروحي تنزف كاملة أو لا تنزف. كنت سأعطيك أكثر مما أملك لو كان في داخلي شيءٌ لم أقدّمه بعد… كنت سأفتح صدري كنافذةٍ بلا جدار، وأدعك تأخذ ما تشاء، حتى لو لم يبقَ لي شيء أعود إليه. لكن عينيك… عيناك تبحثان عن شبحٍ لا يسكنني، عن امرأةٍ لا أعرف كيف أكونها، عن شيءٍ لم يُخلق فيَّ ولن يُخلق، ولو متُّ أحاول. أنا الفراغ بينك وبينها، الفاصل الذي لا يُرى، الهوّة التي تبتلع الصوت قبل أن يصل. أنا ما أحاول أن أكونه لك… وما أفشل في أن أفهمه منك. ما نحن؟ سؤال...

الجسد الذي ضاق بي

اليوم استنزفتُ آخر ما تبقّى من قنواتي الدمعية اعتصرتُ قلبي حتى سال صامتًا، ورأيتُ أحلامي تتساقط أمامي واحدةً تلو الأخرى، كأنها لم تكن يومًا لي. لا أدري… أالأرض لم تعد تتّسعني، أم أن جسدي هو القفص الأخير الذي يضيق بي؟ هناك، على الأرض، سقطت فتاة السابعة عشرة، تلك التي كانت تؤمن أنها قادرة على اقتلاع كل ما يعترضها، كانت ستفعل كل شيء… كل شيءٍ عدا أن تعترف بحدودها. كانت ترى النفق، وكان الضوء وعدًا واضحًا في نهايته، أما الآن… فلا شيء سوى ظلامٍ يبتلعها، وقطارٍ قادم من عمق العتمة لا ليُنقذها… بل ليمرّ فوقها. قاعة سوداء، باردة كفكرة الموت قبل أن تتحقق، يتوسّطها بيانو وحيد، يحمل على مفاتيحه كل أحلامي، من طفولةٍ لم تكتمل إلى شبابٍ لم يبدأ. يدان ترتجفان، مثقلتان بالقلق والارتباك، ومع ذلك… لا تتوقفان عن العزف، كأن العزف هو الشكل الوحيد للسقوط البطيء. في خيالي، نصف مليون شخص يصفّقون، وجوهٌ غير واضحة، لكن التصفيق حقيقي بما يكفي لأصدّقه. أما في الواقع… فلا شيء. سريرٌ أبيض، جدرانٌ صامتة، ورأسي… مسرحٌ مغلق بلا جمهور. لا حضور، لا صوت، لا شيء سوى أنا، وأنا الأخرى، وسرير في مشفى الأمراض النفسية يحاول عبثًا...

حين صار الجسد غريبًا

كان بيتًا… ثم صار غرفة مغلقة. جدرانه جلدٌ لا يُسمع منه صوتُ القلب، ونوافذه مرايا لا تُظهر إلّا العيب. كل تفصيلةٍ فيه صارت بابًا موصودًا، وكل خفقةٍ صارت اتهامًا. تُلام حين تأكل، وتُلام حين لا تأكل. تُلام إن ارتدت، وإن خلعت. وكل حركة فيه، تُحاكم بلا محامٍ. تحاول أن تسكنه… لكنّه ضاق بك. صار سجنًا من جلدك، ومن صوت أمّك، ومن عيون الناس. تقول أين أنا؟ لكنّ الصدى لا يجيب. فأنتِ، منذ فقدتِ الحبّ فيه، صرتِ تسكنين خارجه… غريبة عن قلبٍ فيكِ، وغريبة عن روحٍ لا تعرف الطريق إليه.

ما تبقى منّي في اللازمان

في قمّاتي ظِلُّ لا يُرحم، أحبُّ ما لا يطلبني، كأنّي أنا اللاَّمُرغوب. أتنفّس نقيضَيّ, أعيشُ الحبَّ والكَرَهَ في آن، وأهفو إلى جرحٍ يُدعى دفئًا. رأسي صندوقٌ مُوسِمٌ للظلال؛ سُكَّانُه شخصياتٌ تكاد تنهشني ببسمةٍ، تنهشُ لحمي وتهمسُ بما تمنّيتُ أن يهمسَ به أحدٌ في يقظتي. أهربُ إلى داخلها فأُسكر، ليس من نَدىٍ بل من فَجْرٍ مُؤلمٍ يفيضُ جمالًا قاسٍ. الواقعُ صفرٌ لا شيء يمسكُ بيدي؛ والعتمةُ تمنحني شرابها، فأسكر. أعيشُ الحشْوةَ أكثر من الحياة، وأتوشّحُ بها كما يتوشّحُ الَّليلُ بِلِباسِه. هنا، في حضنِ اللاَّمَرْغوب، أُعيدُ كتابةِ قلبي على خط النار، وأبتسمُ للغدر كأنه عِذر.