من أرشيف القرية الإلكترونية

القرية الإلكترونية - أبوظبي

بودكاست ثقافي يقدم مقتطفات من أرشيف القرية الإلكترونية في أبوظبي — مادة مختارة من التاريخ والأدب والحضارات العربية والعالمية

  1. 24 Aug

    عندما كان الأب ملكًا: أسرار البيت الروماني

    عندما كان الأب ملكًا: أسرار البيت الروماني هل تعلم أن مولد طفل في روما القديمة كان مغامرة قد تنتهي بالموت قبل أن تبدأ الحياة؟ نعم. فالعادات الرومانية كانت تبيح للأب إذا وُلد له طفل مشوه أو كانت المولودة أنثى أن يعرضه للموت. هكذا ببساطة. لكن خلف هذه القسوة الصادمة، تكمن قصة واحدة من أقوى المؤسسات في التاريخ. قصة الأسرة الرومانية. مرحبًا بك في رحلة إلى قلب البيت الروماني، حيث كان الأب ملكًا، والأسرة جيشًا صغيرًا في حرب دائمة. لنبدأ من البداية. إذا نجا الطفل من ذلك الاختبار الأول، كان مولده موضع ترحيب كبير. لماذا؟ لأن الرومان كانوا شديدي الرغبة في الإنجاب. فالحياة الريفية جعلت الأبناء مصدرًا من مصادر الثروة، والرأي العام كان يندد بالعقم. بل إن الدين نفسه كان يشجع على كثرة النسل، إذ اعتقد الرومان أن من يموت دون ولد يعتني بقبره، تقاسي روحه ألوان الشقاء والعذاب إلى أبد الدهر. وبعد ثمانية أيام من مولد الطفل، كان يُقام احتفال رسمي مهيب حول موقد الدار، يُضَمُّ فيه الصغير إلى الأسرة والعشيرة. وكان للأسماء نظام دقيق. فالولد يحمل اسمه الأول مثل Publius أو Marcus، ثم اسم عشيرته مثل Cornelius أو Julius، ثم اسم أسرته مثل Scipio أو قيصر. أما النساء فَكُنَّ يُعرفن غالبًا بأسماء عشائرهن وحدها، مثل Cornelia أو Julia. ولأن أسماء الذكور الأولى لم تكن تتجاوز خمسة عشر اسمًا تتكرر جيلًا بعد جيل، اضطر الرومان إلى اختصارها بحروفها الأولى وإضافة اسم رابع وخامس أحيانًا للتمييز. ومن أشهر الأمثلة التفريق بين Scipio قاهر هنيبال الملقب بالإفريقي الأكبر، وسَمِيّه الذي دمر قرطاجنّة والملقب بالإفريقي الأصغر. والآن، تخيل معي سلطة الأب في هذا البيت. سلطة تكاد تكون مطلقة من كل القيود. هو وحده صاحب الحقوق القانونية في عهد الجمهورية الأول. هو وحده من يشتري ويبيع ويتعاقد. حتى بائنة زوجته كانت مِلكًا له. وإذا اتهمت زوجته بجريمة، أُحيلت إليه هو ليحاكمها بنفسه، وكان بمقدوره أن يحكم عليها بالإعدام إذا خانته أو حتى إذا سرقت مفاتيح خزائن خمره. أما أبناؤه؟ فله عليهم حق الحياة والموت، بل وحق بيعهم في الأسواق بيع الرقيق. وكل ما يكسبه الابن يصبح مُلكًا خالصًا لأبيه. لكن مهلًا. هل كانت الحياة الرومانية بهذه القسوة فعلًا؟ هنا تكمن المفارقة المدهشة. فالقوانين كانت في حرفيتها أشد منها صرامة في تطبيقها. قلما طبّق الرومان أقسى هذه القوانين. ولم تقف تلك السلطة في وجه حنان الآباء الطبيعي على أبنائهم، ولا تعظيم الأبناء لآبائهم. حتى إن شواهد القبور في روما بلغت من الرقة ما بلغته في بلاد اليونان. وماذا عن المرأة؟ صحيح أن القانون حرم عليها الظهور في المحكمة ولو شاهدة، ووضعها طوال حياتها تحت رقابة رجل، أبيها أو أخيها أو زوجها أو ابنها. لكن الواقع كان مختلفًا. فقد كان من حقها أن ترث، وأن تتملك دون حد أقصى. بل إن نساء كثيرات في أواخر عهد الجمهورية أصبحن من ذوات الثروات الطائلة،وذالك لأن أزواجهن كانوا يهرّبون لهن أملاكهم هربًا من الديون والضرائب. وفي الدين كان لها شأن غير قليل، فكان لها أن تكون كاهنة. أما في المنزل، فكانت هي السيدة المعظمة. لم تُحْجَز في جناح الحريم كالزوجة اليونانية، بل كانت تتناول الطعام مع زوجها، وتربي أطفالها بنفسها، فيجْزيها أبناؤها حبًا عميقًا وإجلالًا عظيمًا. وهكذا نصل إلى جوهر القصة. كلمة Familia عند الرومان لم تكن تعني أسرة بقدر ما تعني بيتًا بمن فيه وما فيه. الأب والأم، والأرض والأملاك، والأبناء والأحفاد، والعبيد والموالي. كلهم يخضعون لأكبر الذكور سنًا. مجتمع صغير يضم في داخله وظائف الأسرة والكنيسة والمدرسة والنظم الصناعية والحكومية معًا. في هذا النطاق شب الطفل الروماني وترعرع على حب الطاعة والتقوى. فكان منه مُواطنٌ قوي صَلب العود في دولة لا تُغلب. وربما هنا يكمن السر الأعظم. فتلك الأسرة الصارمة، بقسوتها وحنانها معًا، كانت هي الأساس الذي قامت عليه أخلاق الرومان وحكومتهم. أساسٌ بعث في أخلاقهم صلابة وقوة، خير ما توصف به أنها قوة رواقية. فهل كانت عظمة روما تبدأ من هناك، من حول موقد الدار؟

  2. 22 Aug

    أمسية قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته

    أُمسِيَة قرطاج: أسرار سان جون بيرس كما روتها أرملته في مساء خريفي بعيد على شواطئ قرطاج جلس شعراء شباب أمام امرأة أميركية فارعة القامة ليتحدثوا عن رجل لم يزر العالم العربي قط لكن شِعره غزا أرواحهم وغيّر لغتهم. تلك المرأة كانت دوروتي ليجي زوجة الشاعر الفرنسي الأسطوري سان جون بيرس. وبعد سنوات طويلة وعلى بوابة مكتبة الكونغرس في واشنطن سيسمع الكاتب جملة قصيرة تعيد كل شيء إلى الحياة: لقد توفيت دوروتي هذا الأسبوع. كيف تختلط الذكريات في رؤوسنا؟ في ذاكرة كاتبنا اختلطت أُمْسِيتان رغم السنوات التي تفصل بينهما. أمسية ببغاء كلود الذي كان يصدح من وراء قضبان قفصه الحديدي أمام خليج قرطاج مرسِلاً أنغام غابته وسط صالون باروكي إيطالي. وأمسية أخرى دعا فيها الشاعر لوران غسبار أصدقاءه بعد محاضرته عن بيرس في قاعة مكتبة شارل ديغول. كانوا ثلاثة من الأصدقاء: الحبيب السالمي ومحمد الغزي ومنصف غشام. جاؤوا للقاء أرملة الشاعر الذي كان قد توفي منذ أشهر فقط. في تلك القاعة الرخامية البيضاء التي تتوسطها نافورة من المرمر في بيت الشاعرة جاكلين دواد جلست دوروتي بلطف وأناقة أرستقراطية. لم تكن الجلسة محاضرة جامعية متجهمة بل جلسة شاي عفْوية. تحدثت دوروتي باقتضاب عن زوجها. قالت إنه لم يكن يحب الحديث عن شعره وكان صارما في ذلك رغم أنه كان يحب الكلام والإبهار في لقاءاته مع الأصدقاء. ثم جاءت المفاجأة. حين ذكر الحاضرون الترجمات العربية لأشعار بيرس أظهرت دوروتي سرورا وتعجبا. لم تكن تدري أن ترجمات عربية لأشعار زوجها بدأت تظهر منذ أواخر الخمسينات. ذكروا لها ترجمة أدونيس الرائدة في مجلة شعر وأسماء مُترجِمين كثيرين. وقالوا لها إن اللغة العربية لغة غنائية في جوهرها لذا لم تجد عنتا في استيعاب الغنائية الفرنسية من لامارتين إلى رامبو إلى بيرس. سألوها: هل عَرَف بيرس العالم العربي؟ قالت لا لم نأت إلى تونس. ولو درى بكل هذا الاهتمام لسَرّه جدا. ثم صمتت لحظة كأنها تسترجع شيئا قصيّا وقالت بفرنسيتها ذات اللكنة الأميركية الخفية: كان يحب شِعر اللبناني جورج شحادة. لكن أغرب ما كشفته تلك الأمسية كان هوس بيرس بصورته. هل تصدق أن شاعرا بهذه العظمة لم يَدْلِ طيلة حياته بأي حديث صحفي؟ كان شديد التحفظ حتى إن اللقب الذي اتخذه لنفسه لم يكن مجرد لعبة تخفي نرجسية بل خيارا وجوديا. وهناك قصة تشبه الروايات: الشاعر اليوناني الشهير جورج سيفيريس لَمَح بيرس صدفة في إحدى المرايا في بهو فندق بمانهاتن فقام وتعرف عليه وقضيا يوما كاملا معا. وكتب سيفيريس في مذكراته وصفا لهذا اللقاء قال فيه إن وجه بيرس يقع بين وجهي شارلي شابلن وأدولف هتلر. فما كان من بيرس حين اطلع على الترجمة الفرنسية إلا أن تَرَجّى لوران غسبار أن يزيل هذه الجملة. وصدر النص فعلا بعد وفاة الشاعر في مجلة ألف دون ذلك الوصف. وأكدت المصورة الفرنسية جيزيل فروند القصة نفسها بعد سنوات. حين دخلت عليه غرفة الفندق لتأخذ صورا تلقائية تشي ببساطة الحياة اليومية وَجًدته مسَمّرا وجامدا فوق أريكة قد هيأ نفسه بكل عناية لِيَمْثُلَ أمام عدسة الكاميرا. أما في الكتابة فكان يعامل نصوصه بصرامة شديدة يشتغل على مسودات كثيرة حتى إن قصيدته الأخيرة نشيد الاعتدال التي كتبها قبل وفاته بقليل كانت أطول بكثير من النص المنشور في غاليمار. وكشفت دوروتي أن الشاعر الأميركي أرشيبالد ماكليش صديقها وصديق بيرس هو الذي عمل على توظيف بيرس في مكتبة الكونغرس مديرا لقسم الآداب الفرنسية. فماذا تبقى من تلك الأمسية على بحر قرطاجة؟ أمسية نصفها ضوء ونصفها ظلال. لم يكن ثمة ببغاء في الصالون كما اختلط في الذاكرة. كان هناك مرمر النافورة التي بلا ماء والتي اقتلعت الآن بتجديد البيت. لكنها ما تزال مركزا حدد دائرة تَحَلَّقَ حولها الناس على امتداد السنين. وما تزال أحاديثهم تسيل في الزمن مع سيلان مياهها اللامرئية. وربما هذا ما يفعله الشعر بنا: يبقى حاضرا حتى بعد أن يرحل أصحابه وتجف نوافير بيوتهم.

  3. 14 Aug

    القاهرة التي لا يملكها أحد

    القاهرة التي لا يملكها أحد استمع جيدا لهذه المفارقة. بلد شهد أطول استعمار متصل في التاريخ. ثلاثة وثلاثين قرنا كاملة. منذ غزو الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد حتى خروج الاحتلال البريطاني عام 1954. ومع ذلك ظل هذا البلد صامدا يرفض الموت ويحوّل حتى الموت نفسه إلى عقيدة واستمرار للحياة. هذه هي مصر. وهذه هي القاهرة التي يقول عنها كاتبنا إنها ليس لها صاحب. هي مدينة تهب نفسها إلى من تختاره. من يحبها بصدق. جاء الكاتب إلى القاهرة عام 1985 ملتحقا بجامعة القاهرة. غريبا لا يعرف أحدا. مثل ملايين تأويهم هذه المدينة التي يسميها أم اليتامى. وظل يبادلها شيئا من عدم ارتياح. لا يحتمل زحامها ولا صخبها. إلى أن جاءت الأيام الأخيرة من عام 1997. كان في الإسكندرية مع عدد من الأدباء والأصدقاء. شعروا بالجوع بعد منتصف الليل بأكثر من ساعتين. وقطعوا مسافات بحثا عن مطعم أو محل مفتوح فيه عيش وملح. كان البرد قارسا والجوع يضاعف الإحساس به. فقرر العودة في الفجر إلى القاهرة التي بدت له كالمعاتبة. ولها الحق. فلا يخلو حضنها من دفء. ولا تغلق فيها مطاعم أو صيدليات. وعلى كل رصيف قهوة يبدد روادها وحشة المكان. وماذا يستقبلك حين تصل إلى هذه المدينة؟ وجه الملك رمسيس الثاني. أول ما تصافحه عيناك قادما من شمال البلاد أو جنوبها. تمثال يقف شامخا في ميدان رمسيس أمام محطة السكك الحديدية التي تضخ أكثر من مليوني إنسان يوميا إلى العاصمة. ومنذ انتقل التمثال إلى ميدانه عام 1954 تحول إلى معلم يحلو لأحفاد رمسيس التقاط صورة تذكارية بجواره. غير مبالين بأن قاماتهم لا تبلغ ركبته. لكن القاهرة ليست مدينة واحدة. بل بضع مدن تتجاور وتتنافر وتتشاجر مثل أمعاء البطن الواحد. انتهت أيام القاهرة الفاطمية لتصبح ذكرى. وانتقل مركز الثقل منذ أيام الخديوي إسماعيل إلى منطقة وسط البلد التي بناها على غرار باريس. وفي وسطها قصر عابدين ذو الخمسمائة غرفة. قصر شاهد على صروف الدهر. ففي ميدان عابدين في التاسع من سبتمبر عام 1881 وقف الزعيم أحمد عرابي متحديا الخديوي توفيق. معلنا نداءه المأثور. لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا ولا عقارا. فوالله الذي لا إله إلا هو لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم. لكن الأمور سارت على عكس ما أراد عرابي. خذله السلطان العثماني. وأعلن توفيق أنه عاص. ووقعت خيانات وهزم جيشه. بل أصدر توفيق منشورا يصفه فيه بالشقي العاصي. وأقام في سبتمبر عام 1882 الولائم للجيش الإنجليزي بمناسبة هزيمته. ومنح القادة الإنجليز أوسمة ونياشين. غير أن للتاريخ حكمه. والتاريخ يحكم على مهل. أعيد الاعتبار لعرابي. وحملت إحدى محطات مترو الأنفاق اسمه. وأصبحت صورته شعارا لجامعة الزقازيق. أما توفيق فيظل في الذاكرة الحاكم الخائن. أرأيت كيف ينصف الزمن من ظلمهم عصرهم؟ وهناك مشهد آخر يختصر الحكاية كلها. المؤرخ الفلسطيني نقولا زيادة زار القاهرة منتصف ثلاثينيات القرن العشرين فقال إنه رأى فيها مدينة لأول مرة. بدت له القدس ودمشق وحلب وبيروت قرى كبيرة جدا بالنسبة إلى هذه المدينة. وبعد أن أصر على تسلق الهرم الأكبر قال. وقفت على قمة هرم الجيزة الأكبر وألقيت بنظرة إلى ما انبسط أمامي فرأيت دنيا تآمرت الطبيعة والإنسان على إقامتها وتزويقها وزخرفتها. فالمصري مهما بدا غير مبال بتاريخه هو في حقيقة الأمر أسير أفعل التفضيل. أول دولة. أقدم هرم. أول طبيب. أول طبيبة. ومن مصر القديمة يطل إيمحتب أبو الحضارة المصرية الذي بنى أول هرم في التاريخ. هرم زوسر في سقارة. كما تطل بيشيشت أول طبيبة في التاريخ حاملة لقب ريشة الأطباء. وحتى الغرباء الذين حكموا مصر أسرتهم. المماليك الذين حكموها وماتوا خارجها أوصوا بأن يدفنوا في تراب بلاد لا يعرفون لغتها ولم يختلطوا بشعبها. لكنها استوعبت طموحاتهم ثم أسرتهم. فلم يجدوا لأنفسهم غيرها وطنا أحياء وأمواتا. هذه إذن هي الفكرة الكبرى. مصر ليست هبة النيل فقط كما قال هيرودوت. بل هبة الصمود ورفض الموت. مدينة تحنو على أهلها وضيوفها بلا تفرقة. ولا ترد أحدا. ولا يستطيع كثيرون الفكاك من سحرها. وكما قال صديق الكاتب في رسالته. مصر أجمل حاجة خلقها ربنا. أم الدنيا عن حق وليس عن سخرية. فهل يوجد في العالم بلد له تاريخ بمثل هذا العمق أو هذا الجمال؟

  4. 13 Aug

    فطيرة مدفونة في الرمال

    فطيرة مدفونة في الرمال في قلب الربع الخالي، حيث لا شيء سوى الرمال والصمت، أخرج رجل من حفرة في الأرض قرصًا من الخبز. نفض عنه حبيبات الرمل وقال بفخر: بالأمس قدمت لكم الباغيت الفرنسي، وهذه الليلة يسرني أن أقدم لكم الفطيرة البدائية التي أبقت الرحالة Wilfred Thesiger ورفاقه البدو على قيد الحياة في هذا المكان قبل نصف قرن. نعم. فطيرة مدفونة في الرمال، أنقذت أرواحًا قبل خمسين عامًا، وها هي تعود لتُخبز من جديد في الليلة نفسها والمكان نفسه. كانت أول ليلة لرفاق الرحلة في اللامكان. في ذلك المكان الذي طالما حلموا بالوجود فيه، وسط الربع الخالي، حيث بزغ القمر على مخيمهم الصغير. غنى ناصر أغاني بدوية، وأطلق حنجرته بحداء الطارق الشجي، ذلك الفن الذي اعتاد البدو في رمال وهيبة ترديده في رحلات القوافل القديمة، حتى بدا صداه كأنه ترانيم الأسلاف تردده الوحشة. وبينما كان الجميع مأخوذين بالحديث عن الرحالة البدو والمستكشفين الأوروبيين الذين قطعوا تلك المفازة بشجاعة منقطعة النظير، كان سالم يعد المشاوي بنفسه. لكن نجم الليلة كان تلك الفطيرة. أجّج لها نارًا في حفرة صغيرة وسط الرمال، ثم أهال عليها الرمال، وبعد نصف ساعة استخرجها من مكمنها، يربّت عليها بيديه لتتساقط عنها الحبيبات. ثم قال شيئًا يستحق التأمل. قال إن كل التكنولوجيا التي يحملونها ما كانت لتنقذهم لولا عودتهم إلى أياديهم لاستخراج السيارة من الرمال بالأمس. وإن علينا أن نقتدي برجال من ذلك الطراز النادر، لنتعلم قوة الصبر والعزيمة. قسّم الفطيرة الحارة بين الرفاق، تمامًا كما قسّمها بن كبينة، رفيق Thesiger، بين رفاقه في ليلة ظلماء قبل نصف قرن. وهل تتخيل طعمها؟ حارة، لذيذة، طرية، من أفضل فرن تتيحه الطبيعة. وبين الأسنان، بقايا حبيبات رمل تُستشعر كحبيبات السكر. وكانت تلك الفطيرة أنجع دواء. فقد أعادت المزاج المرح إلى إيلين، التي راقصت ناصر تلك الليلة، مأسورة بالحسنيين: رخامة صوته البدائي في حداء الطارق وترنيمه لفن الميدان، ولذة تكسّر حبيبات الكريستال في فمها. أما زوجها غراهام، الذي كان يعتمد على سالي زوجة صديقه لتخفيف نوبات إيلين الحادة، فقد كان في غاية الفرح، لأن غناء ناصر وخبزة سالم استطاعا امتصاص تلك النوبات المرضية. وفي الصباح الباكر، كان غراهام العجوز، الذي تناول طعامه منبطحًا على بطنه بسبب آلام إحدى ركبتيه، منحنيًا أمام كاميرته الثلاثية القوائم التي نصبها قبل شروق الشمس لتصوير ألوان ذلك الصباح الاستثنائية. حين سلّم عليه الراوي من بعيد، رفع يده بلا اكتراث. فقد كان في أكثر لحظات الإثارة لديه، خصوصًا أن إيلين نامت مطمئنة البال لأول مرة. جلس الراوي على أحد الكثبان ينتظر الشروق، ثم عاد ليعد الإفطار قبل صحو النائمين. إفطار غربي وشرقي معًا: بيض مسلوق، طماطم مقشرة، جبنة بيضاء بزيت الزيتون، فول مسخّن بالثوم، وخبز عربي. ثم توست وزبدة ومرطبانات مارملاد صغيرة بكل نكهات الفاكهة، كما في فنادق النجوم الخمس. وكرواسان فرنسية أعاد إليها حرارة الحياة بتسخينها على ضفاف الجمر المتبقي من الفرن الرملي، جمر فطيرة مبارك بن لندن. ثم استعد الجميع لنهار طويل وشاق لاجتياز ما تبقى من الربع الخالي، واليوكون على أهبة الاستعداد، والجيب أكثر مباهاة لأنها لم تخض تجربة التغريز بعد. وهنا يأتي مشهد الختام. تلك الكثبان المنعزلة التي ترتفع ما بين مائتين وثلاثمائة قدم، والتي يسميها البدو القعد. كثبان يعرفها البدو واحدة واحدة، لأن لكل كثيب شكله الخاص الذي لا يتغير مع السنين. واجهتها الشمالية شديدة الانحدار، والرياح تجرف الرمل باستمرار، فاصلة الحبيبات الثقيلة الداكنة عن الخفيفة الباهتة. وهذا المزيج من اللونين هو الذي يعطي الرمال عمقها وأناقتها: ذهب مع فضة، برتقالي مع بُنيٌّ فاتح، قرميدي مع أبيض، بُنيٌّ غامق مع ورديّ، أصفر مع رمادي. أشكال لا حد لها من الظلال والألوان، كما وصفها Thesiger نفسه في كتابه الرمال العربية. فكّر معي في هذه المفارقة. رحالة مدججون بالتكنولوجيا، أنقذتهم أياديهم لا أجهزتهم. وفطيرة بدائية مدفونة في الرمال، فعلت ما لم يفعله دواء. ربما هذا هو الدرس الذي تخبئه الصحراء لمن يعبرها: أن أعظم ما نملكه ليس ما نحمله معنا، بل ما نحمله فينا. الصبر، والعزيمة، وذاكرة رجال من طراز نادر عبروا هذه الرمال قبلنا، وتركوا لنا فطيرتهم، ووصفة نجاتهم.

  5. 12 Aug

    البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات

    البوابة الملكية: يوميات كاتب بين المدن والذات البوابة الملكية هل يمكن لإنسان أن يكون ميتا قبل أن يموت؟ هذا ما شعر به كاتبنا وهو يستحضر الشاعرة ناديا تويني. شاعرة كان حزنها كبيرا لكنها بدت رغم ذلك متماسكة وقوية. كانت تصارع السرطان. وحين زارها في بيتها في منهاتن نيويورك في تشرين الأول أكتوبر عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين وجدها لطيفة وضاحكة ومقتصدة في كلامها وحركاتها. وكأنها لا تعايش الموت. نحن هنا أمام يوميات كاتب من كتاب غبار القارات. يوميات تبدأ في صيف الثمانينات. ففي يوم الخميس السابع من تموز يوليو يقبع الكاتب في البيت يعاني حالة سأم مشوب بكآبة. أنهى ذلك الصباح كتاب إيريك سيغال رجل وامرأة وولد وبدأ قراءة ناتالي ساروت. لكن ذهنه مشغول بناديا تويني وبتعليقها المختصر حين حدثته عن أهل تونس وإعجابهم بأنفسهم. قالت له إن أهل تونس يعتبرون أنفسهم فوق الكل. وفهم من ذلك أشياء كثيرة عن التماثل الكاذب والمزيف الذي قام عليه المشروع البورقيبي. مشروع ينتمي إلى أول القرن. إلى الجيل العلماني المسلم الذي عشش داخل دماغ مصطفى كمال أتاتورك. وهو الوهم نفسه الذي قاد إيران الشاهنشاهية إلى مأساتها. ثم تأتي بوادر الخريف. رياح عنيفة في خليج حلق الوادي في تونس قادمة من إيطاليا محملة بروائح مختلطة. لعلها زهور جنوب أوروبا ممتزجة بأشياء البحر. والكاتب مكتظ بالمشاريع. حوارات مع المفكرين العرب وترجمة أعمال Lorca وترجمة أشعار جورج شحادة ولمسات أخيرة على مجموعته الشعرية. ويسأل نفسه سؤالا يستحق أن نتوقف عنده جميعا. أليست استعادة الذات هي استعادة العالم؟ وهنا يصل إلى الفكرة التي أعطت هذه اليوميات عنوانها. البوابة الملكية. فالمواجهة الصادقة والصارمة للذات هي التي أدت به إلى فرح التوافق والتصالح مع الذات. وهذا الفرح يمر من البوابة الملكية. بوابة المحبة البسيطة الصادقة التي تكسر العزلة السوداء. فالمعاناة الصادقة لقاء. والكذب عزلة سوداء. ويضيف تأملا جميلا عن العطاء. فالذات كالبئر تزداد ثراء كلما ازدادت عطاء. بشرط ألا يضم هذا العطاء رغبة واعية بمردود أو بمقابل. وإلا كف العطاء عن أن يكون عطاء. ثم ينتقل بنا إلى أثينا. إلى الطريق الصاعدة نحو الأكروبوليس. الرخام اليوناني ليس غريبا عنه فهناك تماثيل كثيرة لهذه الآلهة في قرطاج وفي متحف باردو في تونس. لكن الذي شده بفرح هو تلك البيوت الصغيرة الملونة في سفح الربوة. هناك اكتشف انحيازه إلى اليونان المتوسطية الحسية. عالم النوافذ الصغيرة والغرف العامرة المضيئة. وفي أثينا يحدث اللقاء الأجمل. يتصل عند الظهر بالشاعر Yannis Ritsos حاملا إليه رسالة من صديقه الشاعر Lorand Gaspar. وفي الواحدة وعشرين دقيقة كان يطرق بابه. سار الحديث عفويا كجدول بري. عن الشعر واللغة وعن الماضي اليوناني وعن أصدقائه الشعراء وخصوصا ناظم حكمت. وجد الكاتب أن Ritsos الإنسان بسيط وشاسع ويومي كقصائده. قال له أنا في الخامسة والسبعين ولكني أحب الجمال. وقال أيضا أنا أصغر من الشباب وأكبر من الشيخوخة. هكذا اختزل سنه. وحين سمعا دقات جرس مدرسة يصعد من الأسفل قال الكاتب إنه يحب رؤية الأطفال وهم يخرجون من المدرسة متدافعين. هذا الصخب جميل. إنه استمرار الحياة. وتمتد اليوميات عبر السنين. ففي أكتوبر عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين نجده في سلمنكة الإسبانية ذات الملمح اليوناني. يسمع في الليل نشيج نهر التورميس ويستحضر الأندلس. الفردوس المفقود كما صوره الأمير شكيب أرسلان. ويلتقي هناك بفيلي البحار الباحث في تاريخ الأندلس الذي نقل رحلة ابن جبير إلى الإسبانية. وقال له فيلي شيئا مثيرا. هل تدري أن ابن بطوطة أخذ الكثير في نص الرحلة عن ابن جبير؟ لقد تتبع سرقات ابن بطوطة كلها. أما في مدريد فقد بحث الكاتب عن إسبانيا الأسطورية ولم يجدها. غابت في التماثل الذي جاءت به العولمة. لم يبق من إسبانيا إلا Cervantes وGóngora وLorca وVelázquez. وفي مقهى الأندلس يسمع الفلامنكو. موسيقى المتحف كما يسميها. وتنتهي الرحلة في مارس عام ألفين وثلاثة في دير فرنشسكاني بقرية جبلية إيطالية. قرية حجرية متشبثة بالجبل. هناك يتأمل الصمت والحجارة والليل الأسود الكثيف. فما الذي تتركه فينا هذه اليوميات؟ ربما هذا. أن الكتابة قد تعيد الإنسان إلى حقيقته. إلى تلك الجوهرة المنسية التي علاها الغبار. وأن البوابة الملكية نحو التصالح مع الذات لا تمر عبر العزلة بل عبر المحبة الصادقة والعطاء الذي لا ينتظر مقابلا. فهل جربت يوما أن تحفر في صمتك الداخلي بحثا عن جوهرتك المنسية؟

  6. 12 Aug

    The Narrow Road to the Deep North: A Journey Into Eternity

    The Narrow Road to the Deep North: A Journey Into Eternity Days and months are the travellers of eternity. So are the years that pass by. With these words, a poet begins one of the most remarkable journeys ever recorded — a walk into the far north of Japan, undertaken not for trade, not for duty, but for something far more mysterious. He calls it a strong desire to wander, as if the cloud-moving wind itself had possessed his soul and turned it inside out. Have you ever felt that pull? That restlessness that makes it impossible to stay idle at home? Our traveller had barely returned from rambling along the coast at the end of autumn. He swept the cobwebs from his broken house on the River Sumida, and then, as soon as the spring mist rose over the fields, he was dreaming again — dreaming of the full moon rising over the islands of Matsushima. He mended his torn trousers. He tied a new strap to his hat. He applied moxa to his legs to strengthen them. And then he did something extraordinary. He sold his house. On the threshold of his old home, he hung a verse on a wooden pillar, imagining a different generation celebrating the Festival of Dolls behind that door, now buried in deep grass. On the early morning of March the twenty-seventh, in the second year of Genroku, he took to the road. Darkness still lingered in the sky. The moon was thinning away. The faint shadow of Mount Fuji and the cherry blossoms of Ueno and Yanaka bade him a last farewell. His friends came with him by boat as far as Senju, and there, the thought of three thousand miles ahead suddenly filled his heart. His eyes grew so tearful that neither the houses of the town nor the faces of his friends appeared as anything but a vision. His friends stood in a line and waved goodbye for as long as they could see his back. He did not travel alone. His companion Sora — whose real name was Kawai Sogoro — had once helped him with chores like bringing water and firewood. On the very morning of departure, Sora took the tonsure, put on the black robe of an itinerant priest, and changed his name to Sogo, meaning Religiously Enlightened. That is how deeply this journey mattered. And what a journey it was. At the foot of Mount Nikko, they lodged with an innkeeper who called himself Honest Gozaemon — a man so stubbornly honest, so utterly devoid of worldly cleverness, that the poet wondered if the merciful Buddha himself had taken human shape to help a wandering pilgrim. On the grass moor of Nasu, a farmer lent him a horse with simple, touching instructions: the horse knows the way — send him back when he won't go any further. Two small children ran after him, one a girl named Kasane, meaning manifold, a name he found strange but exceptionally beautiful. There were darker moments too. The Murder Stone, wrapped in poisonous gas near a hot spring, surrounded by so many dead bees, butterflies, and insects that the ground's true color could hardly be seen. And there were moments of overwhelming grief — at the ruined house of the warrior Sato, the poet wept bitterly before the tombstones of two young wives who had dressed their frail bodies in armor after their husbands' deaths. But then came the barrier gate of Shirakawa, the entrance to the northern regions, where his mind finally gained balance and composure. Roadsides covered in white unohana blossoms looked like early snow. And in the village of Ichikawa, he found something miraculous: the stone monument of Tsubo no Ishibumi, erected during the reign of Emperor Shomu, its engraved letters still visible through thick layers of moss. In a world where mountains crumble, rivers change their courses, and old trees yield to young shoots, this monument alone had survived a thousand years. Standing before it, he forgot every trouble of the road and rejoiced — not without tears in his eyes. The journey led at last toward Matsushima, the vision that had haunted his dreams from the start. And when he saw it, he declared it the most beautiful spot in the whole country of Japan — countless islands piled above islands, joined to islands, looking exactly like parents caressing their child. So what does this journey leave us with? Perhaps this: that days and months truly are travellers of eternity, and that we, too, spend every minute of our lives travelling. The poet sold his house and walked into the unknown with tearful eyes and heavy steps. What he found was honesty, kindness, sorrow, and beauty beyond all praise. Maybe the road itself is the destination. Maybe it always was.

  7. 10 Aug

    حوار: فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا

    (محمد) حوار: فسبازيان: الفلّاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا (محمد) هل تصدق أن إمبراطورًا حكم روما بأكملها كان يوصي بأن تفوح من الرجال رائحة الثُوم لا العطر؟ (عامر) رائحة الثُوم؟ هذا يبدو كمشهد من مسرحية ساخرة! (محمد) ليس كذلك أبدًا. هذا فسبازيان. الإمبراطور الذي جاء بعد سلسلة من الأباطرة جعلت الناس تتوق إلى رجل واحد فقط يتصف بالحكمة والكفاية والشرف. (عامر) حدثني عن بدايته. كيف وصل إلى العرش؟ (محمد) عندما رفعه جنوده إلى العرش، لم يتعجل القدوم إلى روما. كان يخوض غمار الحرب في بلاد اليهود. فلما وصل إلى روما في أكتوبر عام سبعين، وجد مجتمعًا مضطربًا في كل ناحية من نواحيه. (عامر) فماذا فعل؟ (محمد) سار على سيرة أغسطس. سالَمَ مجلس الشيوخ، وأعاد الحكم الدستوري، وأطلق سراح من حُكم عليهم بمقتضى قانون الخيانة في عهود سابقة، واستدعى المنفيين. ثم أعاد تنظيم الجيش، وأغلق هيكل Janus رمزًا لعودة السلام. (عامر) لكن ما أصل هذا الرجل؟ (محمد) هنا تكمن المفاجأة. كان مولده في قرية قريبة من Reate، وأسرته من عامة الشعب. تخيل ذلك. فلاح يجلس على عرش أعظم إمبراطورية في العالم! (عامر) فلاح على عرش روما؟ هذا مدهش حقًا! (محمد) وكان جلوسه على العرش ثورة رباعية كما وصفها المؤرخون. قائد يتربّع على العرش، وجيش من جيوش الولايات يُتوِّج من يريده، وأسرة الفلافيين تَخْلِف أسرة اليوليو كلوديين، وعادات الطبقات الوسطى وفضائلها تحل في بلاط الإمبراطور. (عامر) وهل نسي أصله المتواضع بعد أن أصبح إمبراطورًا؟ (محمد) أبدًا. ولما حاول النسّابون أن يَصِلوا بنسبه إلى أحد أصحاب هرقل طمعًا في عطائه، أرغمهم بسخريته على الصمت. كان يعود إلى البيت الذي وُلد فيه، ويأكل طعام الفلاحين، ويصوم يومًا في كل شهر. (عامر) وهنا تأتي قصة الثُوم، أليس كذلك؟ (محمد) بالضبط! حين جاءه رجل تفوح منه رائحة العطر يطلب منصبًا، قال له: لقد كنت أوثر أن تفوح منك رائحة الثُوم. ورجع عن ترشيحه. (عامر) يا لها من إجابة! وكيف كان يتعامل مع أعدائه؟ (محمد) كشف مرة عن مؤامرة تُدبَّر لقتله، فعفا عن المتآمرين. وقال إنهم بُلُهاء لا يدركون عبء المتاعب التي ينوء بها كاهل الحاكم. (عامر) عفا عنهم؟ هذا حلم نادر. (محمد) ولم يفقد حلمه إلا مرة واحدة، مع هلفديوس برسكس الذي أخذ يطعن عليه طعنًا مُرًا، فنفاه ثم لوّث حكمه الصالح بأن أمر بإعدامه. وقد ندم على ذلك فيما بعد. (عامر) وماذا عن إدارته للمال؟ (محمد) هنا كانت عبقريته العملية في أوضح صورها. احتاج إلى أربعين ألف مليون سسترس لينتشل البلاد من وهدة الإفلاس. ففرض الضريبة على كل شيء تقريبًا، حتى على المباول العامة! (عامر) ضريبة على المباول؟ ألم يعترض أحد؟ (محمد) احتج ابنه على هذه الضريبة المنافية للكرامة، فأمسك الإمبراطور الشيخ ببعض النقود المحصَّلة منها وقربها من فم الشاب وقال: انظر يا بني، هل تشُم لها رائحة كريهة؟ (عامر) عبقري وساخر! وهل استخدم هذه الأموال لنفسه؟ (محمد) لا، بل أنفقه كله في إنعاش الاقتصاد وتجميل روما. وأنشأ أول نظام للتعليم تقوم به الدولة في التاريخ القديم، فأمر بأن تُؤدى لمُدَرْسيّ الآداب والبلاغة اللاتينية واليونانية أجورهم من خزانة الدولة، وأن يُوظف لهم معاشٌ بعد عشرين عامًا من الخدمة. (عامر) وماذا عن المباني؟ (محمد) أعاد بناء هيكل جوبِتَر ويونو ومنيرفا، وشاد معبدًا لإلهة السلام، وبدأ أشهر المباني الرومانية كلها: الكولوسيوم. (عامر) وسمعت أنه رفض آلة رافعة عرضها عليه مخترع؟ (محمد) نعم، أبى أن يستخدمها وقال: إني أريد أن أطعم شعبي. أدرك مشكلة التعطل، وقرر الحيلولة دون حدوث ثورة صناعية. (عامر) وماذا عن وراثة العرش؟ (محمد) عهد إلى ابنه تيتس أن يخمد ثورة اليهود، فاستولى على أورْشَليم وعاد إلى روما في موكب نصر خلّده قوس شهير. ورأى فسبازيان أن تيتس خير الأخيار، فأجلسه معه على العرش. (عامر) وكيف كانت نهايته؟ (محمد) في أيامه الأخيرة، بعد أن شرب من ماء بحيرة Cutelia فأصيب بإسهال شديد، ظل طريح الفراش يستقبل الرسل ويؤدي واجبات منصبه. واحتفظ بفكاهته حتى آخر لحظة، فقال وهو يعلم أنه قاب قوسين من الموت: وا أسَفاه، أظن أني صائر إلى أن أكون إلهًا. (عامر) حتى في مواجهة الموت لم يفقد روحه الساخرة! (محمد) ثم وقف على قدميه وأعانه أتباعه، وقال: إن الإمبراطور يجب أن يموت واقفًا. وهكذا ختم حياة كاملة بلغت التاسعة والستين عامًا، واختتم حكمًا صالحًا دام عشر سنين. (عامر) فما الدرس الذي يتركه لنا فسبازيان؟ (محمد) ربما هو أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى أنساب مزيفة ولا قصور فارهة. رجل من عامة الشعب، بإرادة قوية وذكاء عملي، أعاد لروما كرامتها. وهو عمل يكاد يكون معجزة من المعجزات. (عامر) وحتى في مواجهة الموت، اختار أن يقف. (محمد) نعم. واقفًا عاش، وواقفًا مات.

  8. 10 Aug

    فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا

    فسبازيان: الفلاح الذي أنقذ روما ومات واقفًا هل تصدق أن إمبراطورًا حكم روما بأكملها كان يوصي بأن تفوح من الرجال رائحة الثوم لا العطر؟ هذا ليس مشهدًا من مسرحية ساخرة. هذا فسبازيان. الإمبراطور الذي جاء بعد سلسلة من الأباطرة جعلت الناس تتوق إلى رجل واحد فقط يتصف بالحكمة والكفاية والشرف. واليوم سنتعرف على قصة هذا الرجل الاستثنائي. عندما رفعه جنوده إلى العرش، لم يتعجل فسبازيان القدوم إلى روما. كان يخوض غمار الحرب في بلاد اليهود. فلما وصل إلى روما في أكتوبر عام سبعين، وجد مجتمعًا مضطربًا في كل ناحية من نواحيه. فماذا فعل؟ سار على سيرة أغسطس. سالم مجلس الشيوخ، وأعاد الحكم الدستوري، وأطلق سراح من حُكم عليهم بمقتضى قانون الخيانة في عهود سابقة، واستدعى المنفيين. ثم أعاد تنظيم الجيش، وأغلق هيكل Janus رمزًا لعودة السلام. لكن ما يجعل قصته مدهشة حقًا هو أصله. كان مولده في قرية قريبة من Reate، وأسرته من عامة الشعب. تخيل ذلك. فلاح يجلس على عرش أعظم إمبراطورية في العالم. وكان جلوسه على العرش ثورة رباعية كما وصفها المؤرخون. قائد يتربع على العرش، وجيش من جيوش الولايات يتوج من يريده، وأسرة الفلافيين تخلف أسرة اليوليو كلوديين، وعادات الطبقات الوسطى وفضائلها تحل في بلاط الإمبراطور. ولم ينس فسبازيان أصله المتواضع قط. ولما حاول النسّابون أن يصلوا بنسبه إلى أحد أصحاب هرقل طمعًا في عطائه، أرغمهم بسخريته على الصمت. كان يعود إلى البيت الذي وُلد فيه، ويأكل طعام الفلاحين، ويصوم يومًا في كل شهر. وحين جاءه رجل تفوح منه رائحة العطر يطلب منصبًا، قال له: لقد كنت أوثر أن تفوح منك رائحة الثوم. ورجع عن ترشيحه. وهل تعلم أنه كشف مرة عن مؤامرة تُدبَّر لقتله؟ فماذا فعل بالمتآمرين؟ عفا عنهم. وقال إنهم بلهاء لا يدركون عبء المتاعب التي ينوء بها كاهل الحاكم. ولم يفقد حلمه إلا مرة واحدة، مع هلفديوس برسكس الذي أخذ يطعن عليه طعنًا مرًا، فنفاه ثم لوّث حكمه الصالح بأن أمر بإعدامه. وقد ندم على ذلك فيما بعد. أما في المال، فكانت عبقريته العملية في أوضح صورها. احتاج إلى أربعين ألف مليون سسترس لينتشل البلاد من وهدة الإفلاس. ففرض الضريبة على كل شيء تقريبًا، حتى على المباول العامة. واحتج ابنه على هذه الضريبة المنافية للكرامة، فأمسك الإمبراطور الشيخ ببعض النقود المحصلة منها وقربها من فم الشاب وقال: انظر يا بني، هل تشم لها رائحة كريهة؟ لكن هذا المالي الماهر لم يستخدم لنفسه شيئًا مما جمعه. بل أنفقه كله في إنعاش الاقتصاد وتجميل روما. وأنشأ أول نظام للتعليم تقوم به الدولة في التاريخ القديم، فأمر بأن تُؤدى لمدرسي الآداب والبلاغة اللاتينية واليونانية أجورهم من خزانة الدولة، وأن يُوظف لهم معاش بعد عشرين عامًا من الخدمة. وأعاد بناء هيكل جوبتير ويونو ومنيرفا، وشاد معبدًا لإلهة السلام، وبدأ أشهر المباني الرومانية كلها: الكولسيوم. وحين عرض عليه أحد المخترعين آلة رافعة تقلل الحاجة إلى العمل الجسماني، أبى أن يستخدمها. وقال: إني أريد أن أطعم شعبي. أدرك مشكلة التعطل، وقرر الحيلولة دون حدوث ثورة صناعية. وعهد إلى ابنه تيتس أن يخمد ثورة اليهود، فاستولى على أورشليم وعاد إلى روما في موكب نصر خلّده قوس شهير. وحين آن أوان التفكير في وراثة العرش، رأى فسبازيان أن تيتس خير الأخيار، فأجلسه معه على العرش. وفي أيامه الأخيرة، بعد أن شرب من ماء بحيرة Cutelia فأصيب بإسهال شديد، ظل طريح الفراش يستقبل الرسل ويؤدي واجبات منصبه. واحتفظ بفكاهته حتى آخر لحظة، فقال وهو يعلم أنه قاب قوسين من الموت: وا أسفاه، أظن أني صائر إلى أن أكون إلهًا. ثم وقف على قدميه وأعانه أتباعه، وقال: إن الإمبراطور يجب أن يموت واقفًا. وهكذا ختم حياة كاملة بلغت التاسعة والستين عامًا، واختتم حكمًا صالحًا دام عشر سنين. فما الدرس الذي يتركه لنا فسبازيان؟ ربما هو أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى أنساب مزيفة ولا قصور فارهة. رجل من عامة الشعب، بإرادة قوية وذكاء عملي، أعاد لروما كرامتها. وهو عمل يكاد يكون معجزة من المعجزات. وحتى في مواجهة الموت، اختار أن يقف. واقفًا عاش، وواقفًا مات.

About

بودكاست ثقافي يقدم مقتطفات من أرشيف القرية الإلكترونية في أبوظبي — مادة مختارة من التاريخ والأدب والحضارات العربية والعالمية